الغزالي
181
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
آثرت الآخرة على الدنيا » ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها : « أبشري ، فواللّه إنّك لسيّدة نساء أهل الجنة » قالت : فأين آسية امرأة فرعون ، ومريم بنت عمران ؟ قال : « آسية سيّدة نساء عالمها ، ومريم سيّدة نساء عالمها ، وأنت سيّدة نساء عالمك ، إنّكن في بيوت من قصب ، لا أذى فيها ولا صخب « 1 » ولا نصب « 2 » » ثم قال لها : « اقنعي بابن عمّك ، فواللّه لقد زوّجتك سيّدا في الدنيا ، سيّدا في الآخرة » . وروي عن عليّ كرّم اللّه وجهه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إذا أبغض الناس فقراءهم ، وأظهروا عمارة الدنيا ، وتكالبوا على جمع الدراهم ، رماهم اللّه بأربع خصال : بالقحط من الزمان ، والجور من السلطان ، والخيانة من ولاة الأحكام ، والشوكة من الأعداء . وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : قو الدرهمين أشدّ حبسا ، أو قال أشدّ حسابا من ذي الدرهم . وأرسل عمر رضي اللّه عنه إلى سعيد بن عامر بألف دينار ، فجاء حزينا كثيبا ، فقالت امرأته : أحدث أمر ؟ قال : أشدّ من ذلك ؟ ثم قال : أريني درعك الخلق « 3 » ، فشقّه وجعله صررا ، وفرّقه ، ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة « 4 » ، ثم قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام ، حتى إنّ الرجل من الأغنياء يدخل في غمارهم « 5 » فيؤخذ بيده فيستخرج » . وقال أبو هريرة : ثلاثة يدخلون الجنّة بغير حساب : رجل يريد أن يغسل ثوبه ، فلم يكن له خلق يلبسه ، ورجل لم ينصب على مستوقد قدرين ، ورجل دعا بشرابه فلا يقال له : أيها تريد ؟ . وقيل : جاء فقير إلى مجلس الثوريّ رحمه اللّه فقال له : تخطّ « 6 » ، لو كنت غنيّا لما قرّبتك . وكان الأغنياء من أصحابه يودّون أنّهم فقراء لكثرة تقريبه
--> ( 1 ) صخب : الصّخب : هو الصوت المرتفع أو الضجيج . ( 2 ) نصب : تعب . ( 3 ) درعك الخلق : أي قميصك البالي . ( 4 ) الغداة : الصباح . ( 5 ) في غمارهم : في زحمتهم وجماعتهم الكثيرة . ( 6 ) تخطّ : أي جاوز الناس واجلس بجانبي .